لئلا تكونَ مجرّد حلم: أفكار في الدولة الواحدة

لئلا تكونَ مجرّد حلم: أفكار في الدولة الواحدة

بقلم: سلمان ناطور

مقاطع من مقال نُشر في مجلة الآداب، العدد 9-10 لعام 2009

إلى أيّة أجندةٍ تعود فكرةُ “الدولة العلمانيّة الديمقراطيّة”؟ أو إلى أيّة أجندة يجب أن تعود؟
الحقّ أنّ هذه الفكرة لم تسقطْ من حسابات العرب الديمقراطيين العلمانيين. وهي لم تسقطْ من حسابات اليسار العربيّ الذي يبني الموقفَ السياسيَّ على منطقٍ أخلاقيّ وجدليّةٍ تاريخيّة.

***

لئلا تكونَ الدولةُ العلمانيّةُ الديمقراطيّةُ مجرّدَ حلم، فإنّ عليها أن تصبح مشروعًا سياسيّاً، حدودُها من النهر إلى البحر، ومن المطلّة شمالاً حتى البحر الأحمر جنوبًا، لا تتنازع مع أحدٍ على الحدود ـ وهذا في حدّ ذاته مركّبٌ مهمٌّ في رسم حدود المشروع.
أما أصحابُ الشأن فلا خلافَ على أنهم سكّانُ هذه الدولة بكافّة انتماءاتهم القوميّة والدينيّة: فهي دولةُ العرب واليهود، وفيها أيضًا الأرمنُ والشركسُ، وغيرُهم من القوميّات والديانات التي يجب أن تكون جزءًا لا يتجزّأ من هذه الدولة. ذلك لأنّ هذه الدولة ستقوم على تعدديّةٍ قوميّةٍ وثقافيّة، وستصوغ نظامَها وفقًا لهذه التعدديّة، فتضْمن المواطَنةَ الكاملةَ لكلِّ مواطنيها، من دون أيّة امتيازات لفئاتٍ معيّنة، ومن دون تمييزٍ ضدّ فئات أخرى. وستقوم هذه الدولةُ على فصل الدين عن الدولة، فلا تحْكمها أيّةُ اعتباراتٍ دينيّة، ولكنها ستَضْمن حريّةَ العبادة والتديّن لكلّ مواطن، وتقدّم خدماتٍ دينيّة لكلّ الديانات، أسوةً بكافّة الخدمات المدنيّة الأخرى. وستعزّز شعورَ المواطنة والانتماء في وجدان كلّ مواطنيها بمضامين المواطنة ورموزها، كالعلم والنشيد الوطنيّ وغيرهما.

***

لقد رَفع بيبي نتنياهو، بدهائه السياسيّ، شعارًا أمام الفلسطينيين هو: “أُعطوا تأخذوا!” وكأنّ الفلسطينيّ هو المغتصِب، والإسرائيليَّ هو صاحبُ الحقّ، وذلك لكي يقلبَ منطقَ المفاوضات. وكان يجب أن يكون ذلك هو شعارَ الفلسطينيّ أمام الإسرائيليّ، بل كان يجب أن يكون شعارُ الفلسطينيّ: “أعيدوا تأخذوا!”
إنّ ما أخذته إسرائيلُ من الشعب الفلسطينيّ واضحٌ حتى الآن: فقد أخذتْ منه وطنَه بكامل ترابه وفضائه. وللفلسطينيّ كلُّ الحقّ في استعادة ما أُخذ منه. وهو، أخلاقيّاً، ليس مطالبًا بتقديم أيّ مقابل. وله الحقّ في أن يضع مطالبَه الوطنيّة على طاولة أيّ مفاوضات، فيَعْرض الإسرائيليُّ ما يريده.

***

إنّ حلّ الدولة العلمانيّة الواحدة، باعتباره الحلّ الأمثلَ للصراع في الشرق العربيّ، هو خيارُ الديمقراطيين من العرب الفلسطينيين والإسرائيليين أساسًا، ولا يمْكن فرضُه على أيٍّ من الطرفين: أولاً لأنه يقوم على فكرٍ ديمقراطيّ، وثانيًا لأنه ينظّم حياةَ الفرد بغضّ النظر عن انتمائه في هذه الدولة.
لكنّ هذا الشعار قد يكون حلمًا طوباويّاً إذا وُضع في معزلٍ عن العمليّة الديمقراطية في الشرق العربيّ، وبخاصّةٍ في الدول المحيطة بفلسطين. فهل يمْكن أن نقيمَ دولةً علمانيّةً ديمقراطيّةً في فلسطين بين ظهرانيْ أنظمةٍ وَضعت البنودُ الأولى في دساتيرها تعريفاتٍ دينيّةً وطائفيّةً لها، وأنظمتُها قبليّة وعشائريّة، وتميِّز فئةً إثنيّةً ودينيّةً عن فئاتٍ أخرى، وتفرض رقابةً عسكريّةً مشدّدةً على الكتب، وَتسجن أدباء وشعراء لأنهم كتبوا بحريّةٍ عن أحاسيسهم وأفكارهم؟

***

لقد كُتب الكثيرُ عن فكرة الدولة الواحدة. ويومًا بعد يوم يزداد عددُ المؤيّدين لهذه الفكرة. كذلك عُقدتْ مؤتمراتٌ عديدةٌ في العالم العربيّ وأوروبا وأمريكا. وهذه الكتاباتُ والمؤتمراتُ مهمّةٌ وضروريّة. لكنّ المرحلة المقبلة يجب أن تكون بلورةَ أسس هذا البرنامج، وأهدافِه، ومراحلِ تنفيذه؛ والأهمُّ من كلّ ذلك هو رسمُ هذه الدولة: من اسمِها وعلمِها ودستورِها، حتى نظامِها ومقوّماتِ وجودها.
لكي لا يكون المشروعُ طوباويّاً يبرز وجهه الجميل فقط، تجب دراسةُ العراقيل وكيفيّة التغلب عليها. وهذه العراقيل كثيرة وتحتاج إلى جرأة فائقة، واستقامةٍ فكريّةٍ رفيعة، وصراحةٍ، ووضوحٍ في الرؤية، واستعدادٍ مبدئيّ لإحداث تغييرٍ جذريّ في الواقع البائس الذي نعانيه بألم… لكنْ أيضًا ببلادةٍ أو قدَريّةٍ عصيّةٍ على الفهم.
وهذا لا يتمّ ، في مراحل الصياغة، إلاّ من خلال تشكيل مجموعات عملٍ من مفكّرين وسياسيين وخبراء، فلسطينيين وإسرائيليين، يرسمون المستقبلَ الأفضلَ لوجودهم في هذه المنطقة، وعربٍ من دول المنطقة يُثْرون النقاشَ حول دور هذه الدولة في العمليّة الديمقراطيّة العربيّة وماهيّة وجودها في الشرق العربيّ وسط منظومة الدول العربيّة التي من شأنها أن تقطع مراحلَ في التجربة العلمانيّة الديمقراطيّة. وبالطبع فإنّ مشاركة خبراء ومفكّرين وسياسيين من العالم تضيف بعدًا أشملَ للمبادرة.
على أجندة هؤلاء جميعًا يجب أن توضع فكرةُ “الدولة العلمانيّة الديمقراطيّة في فلسطين من النهر إلى البحر” لكي تترجَم إلى مشروعٍ قابلٍ للتطبيق، وجديرٍ بالحياة.

(قد تمت ترجمة هذا المقال ونشره في اللغة العبرية أيضًا)

Advertisements

فكرتان اثنتان على ”لئلا تكونَ مجرّد حلم: أفكار في الدولة الواحدة

  1. تعقيب: כדי שלא תהיה חלום בלבד: מחשבות על המדינה האחת | Yaffa ODS

  2. تعقيب: Salman Natour: Ideas about the One State | Free Haifa

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s